الــهُــوِيّــة

0
1906

حركة العدل والإحسان – مكتب الفكر

تمهيد :

هذا المصطلح حادث مجمل المعنى ، لا يمكن الحكم عليه أو التعامل معه مادام على إجماله ؛ لذا لا بد من تفكيكه الى عناصره الأساسية ، ثم الحكم عليه .

 يعود أصل المصطلح الى :

  1. هوى – يهوى : أي أحب .
  2. هوى – يهوي : أي سقط من علو الى أسفل أو انحدر .
  3. الضمير ( هو ) : أي حقيقة الشيء التي تميزه عن غيره .

ومن مجموع هذه الأصول يمكن أن يكون المصطلح معبرا عن عامل الحب والجذب والانحدار ( الميل ) الى الشيء ومعرفا بحقيقته وصفاته الذاتية التي تميزه عن غيره .

 

الصبغة :

ولعل أقرب مصطلح شرعي يعبر عن هذا المفهوم هو ” الصبغة ” الوارد في قوله تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) .. قال المفسرون : صبغة الله أي دين الله ، وهو الاسلام ، [ وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب ، وهي أثر من آثار الطهارة والصلاة والعبادة ( سيماهم في وجوههم)] .

فالمقصود بالصبغة الهوية ، والهوية هي الاسلام الذي ينبغي أن يصبغ الفرد بصبغة متميزة في عقيدته ومشاعره وفكره وأهدافه وتصوراته وآماله وسلوكه وأعماله .

وهذا المصطلح ” الصبغة ” ينبغي التسويق له وتداوله في المجتمع المسلم فيكون مألوفا  ليحل محل ( الهوية ) من باب إشاعة استعمال المصطلحات الشرعية . وهذا لا يعني إلغاء أو رفض مصطلح ( الهوية ) ، بل إن استعماله الواسع في البحوث والدراسات هو المعتمد حاليا ، فلا مندوحة من التعامل به .

 

تعريف المفهوم :

الهوية : هي مجموعة العقائد والمبادئ والخصائص والسمات والترميزات التي تعبر عن كيان ينصهر فيه افراد منسجمون  بتأثير هذه الميزات والخصائص ، وتسهم في الحفاظ على وجودها من تحديات التشتت والتفكك والإقصاء.

لكل أمة هوية تحدد مكوناتها وملامحها ووظيفتها ورسالتها وتعبر عن عمق شعور أفرادها بها ، والوعي بالأسباب المبررة لوجودها أو الجامعة لصفاتها .

فهوية الأمة : هي إخبار عن حقيقتها وصفاتها الذاتية المميزة لها كما انها عامل جذب تجتمع الأمة حوله. ولكي يتحقق  وصف الهوية التي تجمع الأمة وتوحدها لابد لتلك الهوية أن تكون واحدة وقوية ومتميزة . 

 

مكونات الهوية :

إن تحديد هوية مجتمع ما يقتضي العودة إلى جملة من العناصر التي يمكن توصيفها بعناصر مادية وتاريخية وثقافية ونفسية واجتماعية ، ويمكن تصنيفها الى :

  1. عناصر : وهي مقومات الهوية المادية والتاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية ، وتتضمن : الدين ، القيم ، الفكر ، العرق ، الجغرافية ، اللغة ، الحضارة ، التاريخ ، الثقافة ، الانتماء ، وبالولاء  ، ومواجهة التحديات ، والتعايش المشترك.
  2. مظاهر يصطبغ بها المجتمع أو الأمة وتتضمن : الازياء ، الطعام ، الفن ، الأدب ، العمران ، المصطلحات ، العادات والأعراف ، طبيعة العلاقات ..

وللروافد التاريخية والجغرافية واللغوية والجمالية والثقافية المختلفة دور مهم في بناء الهوية وتمكين أصحابها من وعي ذاتهم ، ووجوه المفارقة التي تميزهم عن غيرهم . [ تجديد الوعي – د . البكار / ص 70 ] .

 

 

الهوية الاسلامية :

يدور معنى الهوية ( أو الصبغة ) الاسلامية نحو التميز الأبرز للأمة ، فالإسلام بعقائده وأركانه وأحكامه القطعية يشكل الأساس للهوية الاسلامية ، كما يشكل الإطار العام لحدود تجديد الهوية وإعادة انتاجها ،  ويتمثل ذلك بالنسبة للأمة الاسلامية بما يأتي :

  1. الوسطية .
  2. الدعوة الى الخير .
  3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  4. الايمان بالله .

 

أهمية الوعي بالهوية :

إن الوعي بالهوية ذو أهمية بالغة في حياة الأمة وشهودها الحضاري :

  1. فتعرف الأمم والأفراد على هويتهم الخاصة يعني وعيهم بذاتهم ، ويساعد على تحديد أهدافهم وبلورة مشكلاتهم . كما يحدد موقعهم بين الأمم .
  2. يضفي قوة على النسيج المجتمعي المتمثل بالتعاون على البر والتقوى .
  3. ويعمل الاعتزاز بالهوية على استثارة عوامل النهضة في ميادين العلم والمعرفة ، والاقتصاد ، والإبداع ، والتطوير والترقي الحضاري .

 

 دعائم المفهوم :

يقوم مفهوم الصبغة ( الهوية ) على دعائم أهمها :

  1. الولاء : ويعني المحبة والمودة والقرب ، وهو من اعمال القلوب ولكن تظهر مقتضياته على اللسان والجوارح ، كالنصرة والأنس والمعاونة .
  2. الانتماء : وهو الارتباط بالكيان ، وبترسيخ مفهومه عند الأفراد والجماعات تتعزز الهوية .
  3. الاخوة : أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة ، فهي أوثق الروابط وأعلاها .
  4. الشعور بالتميز والاستقلالية : فقد حرم الاسلام كل اشكال التبعية لغير المسلمين ، وهذا لا يعني حرمة الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم الناجحة .

 

المحافظة على الهوية : من خلال

  1. العقيدة الصحيحة والشعائر الاسلامية : متمثلة بالإيمان بعقيدة الأمة والإعتزاز بالإنتماء اليها وإبراز الشعائر الاسلامية والتمسك بها .
  2. احترام قيمها الحضارية والثقافية : الوسطية ، الدعوة الى الخير ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحلي بالأخلاق السامية
  3. استعادة ذاكرة التاريخ للوقوف على تاريخ الحضارة الاسلامية والمفاخرة بصفحاته المشرقة .
  4. تطوير المعارف والمحافظة على اللغة العربية .
  5. التحذير من التشبه بالمشركين ( من تشبه بقوم فهو منهم ) .
  6. التحذير من مخططات التشويه والطمس : المتمثلة بالغزو الفكري ، وتقليد المحتل ، والإغراء بالنماذج الشاذة .
  7. الاستعانة بإعلام اسلامي متخصص ومساير للعصر ولروح الشريعة .

 

أزمة الهوية :

يقول الدكتور عبدالكريم البكار :

[ إذا لمحنا في هويتنا الاسلامية أثر الأصول والثوابت الاسلامية ، ولمحنا اثر الجهد البشري في إبداع الصيغ الجديدة لتجليات الهوية ، استطعنا القول : إن تهميش الثقافة الاسلامية الأصيلة في كثير من بلاد المسلمين أدى الى ضعف إحساس الأجيال الجديدة بهويتهم ، واضعف حساسياتهم تجاه الوافدات الجديدة ، مما سهل على القوى الثقافية القاهرة اختراق العديد من جوانب ثقافتنا ، وجعل الشعور بخصوصيتنا الثقافية موضع تساؤل .

 ومن وجه آخر ، فإن دخول الأمة في مرحلة التراجع الحضاري سوف يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها وإعادة انتاجها ، مما يحولها الى اشياء يتم تلقينها للناس دون ان تعني لهم الكثير ، فهي لا تحركهم الى خير ، ولا تردعهم عن شر .. وبذلك تتحول الى عبء على الذاكرة ] . تجديد الوعي / ص 73 .

 

الأسباب :

ولأزمة الهوية أسباب رئيسة ، تكاد تنحصر في محورين أساسيين هما :

  1. حين تشعر الأمة بوجود هوة كبيرة فاصلة بين قيمها وسلوكها ( الفجوة بين المثال والواقع ) .
  2. حين تقارن الأمة حالها بحال غيرها من الأمم .

الحل :

 إن الهوية بحاجة الى تجديد مستمر يبلور مفرداتها ويدفعها نحو التجسيد والتحقق بما يضفي عليها من خصوصية مشاعر الأمة ومفاهيمها .

إن حل أزمة الهوية لا يكون إلا من خلال :

  1. إعادة تنظيم حياتنا الشعورية والأخلاقية والعقلية في ضوء ثوابت المنهج الاسلامي الأقوم .
  2. تحقيق درجة من الندية للأمم الأخرى في مجالات الانتاج الحضاري كافة .

ومن غير هذا وذاك ستكون الشكوى من تأزم الهوية مضيعة للوقت والجهد . [ تجديد الوعي / ص 75 ] .

 

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here